ابن عربي
174
فصوص الحكم
يستجب لي وهو ما دعاه ، وإنما جنح إلى سبب خاص لم يقتضه الزمان ولا الوقت . فَعَمِلَ أيوب بحكمة الله إذ كان نبياً ، لِمَا عَلِمَ أن الصبر الذي هو حبس النفس عن الشكوى عند الطائفة ( 1 ) ، وليس ذلك بحد للصبر عندنا . وإنما حده حبس النفس عن الشكوى لغير الله لا إلى الله . فحجب الطائفةَ نظرُهم في أن الشاكي يقدح بالشكوى في الرضا بالقضاء ، وليس كذلك ، فإن الرضا بالقضاء لا تقدح فيه الشكوى ( 2 ) إلى الله ولا إلى غيره ، وإنما تقدح في الرضا بالمقضي . ونحن ما ( 3 ) خوطبنا بالرضا بالمقضي . والضر هو المقضي ما هو عين القضاء . وعلم أيوب أن في ( 4 ) حبس النفس عن الشكوى إلى الله في رفع الضر مقاومَةَ القهر الإلهي ، وهو جهل بالشخص إذ ابتلاه الله بما تتألم منه نفسه ، فلا يدعو ( 5 ) الله في إزالة ذلك الأمر المؤلم ، بل ينبغي له عند المحقق أن يتضرع ويسأل الله في إزالة ذلك عنه ، فإن ذلك إزالة عن جناب الله عند العارف صاحب الكشف : فإن الله قد وصف نفسه بأنه يؤذي فقال « إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله ورَسُولَه » . وأي أذىً أعظم من أن يبتليك ببلاء عند غفلتك عنه أو عن مقام إلهي لا تعلمه لترجع إليه بالشكوى فيرفعه عنك ، فيصح الافتقار الذي هو حقيقتك ، فيرتفع عن الحق الأذى بسؤالك إياه في رفعه عنك ، إذ أنت صورته الظاهرة . كما جاع بعض العارفين فبكى فقال له في ذلك من لا ذوق له في هذا الفن معاتباً له ، فقال العارف « إنما جوعني لأبكي » . يقول إنما ابتلاني بالضر لأسأله في رفعه عني ، وذلك لا يقدح في كوني صابراً . فعلمنا أن الصبر إنما هو حبس النفس عن الشكوى لغير الله ، وأعني بالغير وجهاً خاصاً من وجوه الله . وقد عين الله الحق
--> ( 1 ) يقول القاشاني الطائفة أي المتقدمين من الشرقيين من أهل اللَّه ( 2 ) ن : بالشكوى لا إلى ( 3 ) ن : فما ( 4 ) « ا » و « ن » : في ذلك ( 5 ) ا : يدعو إلى اللَّه .